ديسمبر 17, 2017

دوتش فيليه | مستشفى 25 يناير.. حلم العلاج بالمجان يبدأ بتغريدة

مثلت وفاة نجله أمام عينيه تجربة قاسية للشاب محمد الجارحي، وذلك بعد معاناة في البحث عن مكان لابنه في المستشفيات، ما جعله يحلم ببناء مستشفى للفقراء الذين لا يجدون مكانا في المستشفيات، ولكي يكون العلاج فيه بالمجان.

 

ككل شباب جيله بعد ثورة 25 يناير مباشرة، أراد محمد الجارحي هو وأقرانه في قرية “الشبراوين” في محافظة الشرقية أن يعمل بمقولة “كن أنت التغيير الذي تريده في العالم”، فالأحلام كانت كبيرة.ويقول الجارحي وهو يعمل صحفيا في حوار مع DW عربية “سافرت حتى أرى والدتي واحتفلت مع أصدقائي هناك بالثورة ومن ضمن ما قمت به اتفقت مع خطّاط لعمل لافتات تقول إن حسني مبارك رحل، فهيا بنا نبني البلد، وعلقناها في كل مكان في القرية”، مشيرا إلى أن الكثير من الشباب من كل الاتجاهات بالفعل تجمعوا معه وبدأوا العمل فعلا من أجل إنشاء جمعية اختاروا لها اسم 25 يناير لحل المشكلات التي يعاني منها الناس ومنها عمل عيادة للبسطاء.

 

بدأ الجارحي في تأسيس الجمعية في شهر آذار/ مارس وتقدم رسميا بالأوراق لوزارة التضامن وتم إشهارها بالفعل في شهر يونيو 2011 وأصبح وضعهم قانونيا. وفيما كانت تزخر القنوات الفضائية والإذاعية المصرية بالكثير من إعلانات التبرع لاستكمال بناء مستشفى أو تبرع لمشفى آخر، كان محمد الجارحي يناشد متابعيه على موقع التغريدات القصيرة “تويتر”، للتبرع وكانت النتيجة مذهلة للغاية.

 

وفاة طفله غيرت حياته

كان نجل الجارحي الذي لم يكن يتعدى عمره حينها العامين يعاني من ضمور في المخ ومشاكل في القلب وكان يقضي جل وقته مع طفله بين المستشفيات أكثر مما كان يقضي معه من الوقت في البيت، ورغم علاقات والده الواسعة من خلال عمله بالإعلام، فإنه كان يعاني حتى يجد له مكانا في الرعاية المركزة في المستشفيات.

 

يقول الجارحي لـDW: ” كنت أسأل نفسي أثناء معاناتي في البحث عن مكان داخل أي مستشفى عن الفقراء الذين يمرض أبناؤهم أو يحتاج للحضّانة من الذين ليس لهم شبكة من العلاقات ولا حتى تابعين لمكان يتحمل تكلفة العلاج الباهظة في المستشفيات المحترمة، فنحن لدينا علاقات وتابعين لمشروع علاج نقابة الصحفيين الذي يتحمل جزءا كبيرا، حتى توفي ابني في 25 أكتوبر 2011″.

 

ويضيف: “بعد وفاة ابني أحمد تحمّست كثيرا لتنفيذ فكرة أكبر من مجرد عيادة واحدة.. وسألت نفسي لمَ لا ننشئ مركزا طبيا به خدمات أوسع من مجرد عيادة، كنتُ حينها أركب دراجة نارية خلف أحد أعضاء الجمعية وندور في الشوارع ونتحدث مع الناس عن المركز الطبي وكانوا يتبرعون، وبالفعل استأجرنا شقة واتفقت مع 9 أطباء وافتتحنا المركز الطبي في 11 نوفمبر 2011 بعدما تم تجهيزه”.

 

بعد افتتاح المركز الطبي البسيط، صوّر الجارحي المكان ونشر الصور على موقع “تويتر”، وقال إن المركز يحتاج أجهزة طبية.. كان متابعيه يعلمون ظروف وفاة ابنه وعندما رأوا الصور تحمسوا، وفي أول يوم وصل للمركز جهاز سونار من التبرعات يقدر ثمنه بـ”ثلاثين ألف جنيه”، بحسب الجارحي.

 

“تاكسي الخير”
في يوم في بدايات 2012، كان محمد الجارحي يستقل سيارة أجرة حيث لديه لقاء هناك، وبدون تخطيط كتب على تويتر أنه في طريقه إلى منطقة “مصر الجديدة” ومن يريد أن يتبرع للمركز الطبي فليقابله، وبالصدفة كان يتواجد معه دفتر إيصالات التبرعات.. يقول محمد “في ساعتين فقط 4 آلاف جنيه، فقلت لم لا أكرر هذه التجربة وكتبتُ على تويتر ما حدث في ذلك اليوم تحت هاشتاج #تاكسي_الخير تيمَنا بسائق التاكسي الذي كان معي ويتذكر اسمه جيدا حتى اللحظة “عم أبو يوسف”.

 

انتشرت فكرة #تاكسي_الخير على تويتر حينها وحتى اليوم، وكانت أيام إجازات الجارحي من عمله عبارة عن الذهاب بنفسه لأماكن مختلفة بعد إعلانه على تويتر وينتظر المتبرعين أو يذهب إليهم في أماكنهم، حيث انطلق إلى مناطق المعادي ومدينة نصر وحتى محافظات مختلفة منها الإسكندرية، وكان هناك تجاوب وحماس شديدين، حتى أن كثيرين لا يعرفونه بشكل شخصي شاركوا معه في المبادرة وبنفس الهاشتاغ وقاموا بجمع التبرعات ووصلت تجميع الأموال لصالح المركز الطبي في دول أخرى “فكرتُ حينها إن كنتُ أريد أن أخدم الناس بحق فالمركز الطبي لن يخدمهم بشكل كامل، لماذا لا ننشئ مستشفى تعالج الناس بالمجان وتعاملهم بشكل يليق بإنسانيتهم”.

 

تساؤل محمد أفضى به إلى أصدقاءه والمقربين منه، إلا أن الكل كان مستبعدا أن تنجح الفكرة، “كل من كان حولي كان يعتقد أنني أحلم أو أمزح وعندما رأوا جديتي قالوا لي إنني لن أنجح ولن أستطيع”.

 

كانت العقبة الأولى أمام محمد أن يجد أرضا لبناء المستشفى عليها، وبعد محاولات فاشلة كثيرة في الحصول على أرض بالمجان.. استطاع أن يشتري أرضا بـ625 ألف جنيه، “كلها كانت من تبرعات #تاكسي_الخير، ويوضح” كنت أذهب إلى كل مكان تتخيله، واشترينا الأرض في نهاية 2012 وحتى نستطيع أن نبدأ البناء كان يجب أن يكون معنا على الأقل مليون جنيه فلجأت مرة أخرى إلى السوشيال ميديا”.
“أنا أُدين لوسائل التواصل الاجتماعي”

 

كان الجارحي كثيرا ما ينشر إيصالات المتبرعين على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة تويتر، وهو ما أعطى مصداقية وشهرة للمشروع، وحاليا ينشر الميزانية سنويا وتطورات المشروع أولا بأول، وهو ما أعطي مصداقية بشأن التبرعات، التي وصلت سريعا إلى ما يقرب من مليون جنيه فبدأ بناء المستشفى بعد الحصول على رخصة في سبتمبر 2014، وتحمس الناس أكثر عندما رأوا بوادر الحلم تظهر أمام أعينهم.

 

يقول الجارحي “الرخصة كانت بثلاثة أدوار ورفض المسؤولون إعطائها لنا بسبعة أدوار كما طلبنا وقالوا لنا تقدموا بطلب عندما تنتهوا من الأدوار الثلاثة، وعندما انتهينا بالفعل رفضوا زيادة عدد الأدوار، وسلكت كل الطرق بداية من الوحدة المحلية ومجلس المدينة والمحافظ ومجلس الوزراء وفشلت، فلجأت مرة أخرى للسوشيال ميديا التي كانت لها الفضل في كل ما حدث بعد الله، وبالفعل الناس كلها تحركت وأصبح هاشتاغ #تعلية مستشفى 25 يناير، مشهورا. ويقول “هاتفني مكتب رئيس الجمهورية وتدخّل لحل المشكلة واستكملنا بناء السبع أدوار وهو ما تم الانتهاء من تشطيبهم حاليا”.

 

كان عدد من المشاهير قد ساندوا حملات التبرع لصالح المستشفى منهم الإعلامي الساخر باسم يوسف الذي قال على صفحته الشخصية على فيسبوك: “أنا مقصر جدا في حق محمد الجارحي اللي بقاله سنين مطحون في لم تبرعات بدون إعلانات وبدون إمكانيات لمستشفى ٢٥ يناير.. الراجل ده عمل معجزة بكل المقاييس والمستشفى في المراحل الأخيرة، معندهوش (لا يملك) فلوس يصرفها على إعلانات بالملايين في رمضان كل مليم بيتحط (يوضع) في المستشفى”.

 

أما الفنانة منى زكي فكتبت: “يا ريت الكل يساعد” كما نشرت طرق التبرع المختلفة للمستشفى على حسابيها على “فيس بوك” و”تويتر، فيما كتب المخرج والسيناريست محمد دياب على #فيسبوك: “ده أكتر مشروع خيري يستحق المساندة”. 

 

ويبلغ عدد متابعي محمد الجارحي على تويتر أكثر من 390 ألف شخص، ويضع في صدر صفحته صورة لمستشفى 25 يناير، وكتب في تعريفه بنفسه “صحفي مصري.. حلم حياتي أبني مستشفى 25 يناير” الخيري بالشرقية.

 

يقول الجارحي “عندما انتهينا من البناء حدث قرار تعويم الجنيه مما ضاعف الميزانية إلى 3 أضعاف.. فمثلا كانت ميزانية التشطيب 6 مليون جنيه أصبحت حوالي 30 مليون، والأجهزة الطبية كانت في حدود 50 مليون حاليا تبلغ أكثر من 100 مليون، نحن سلمنا المقاول الحالي 7 مليون جنيه ونعتمد على تبرعات الناس التي سوف ترى التشطيبات قريبا، كما أننا نُعِدّ حاليا مع بعض المشاهير لزيارة المستشفى”.

 

ما يميز المستشفى أنه في قرية والوصول إليه سهل حيث تبعد عن عاصمة المحافظة “الزقازيق” 10 كيلو متر فقط، في محافظة هي ثالث أكبر عدد سكان بعد محافظتي القاهرة والجيزة حيث يبغ عدد سكانها ما يقرب من 7 مليون نسمة، مما يخفف العبء على المستشفيين الكبيرين في المحافظة وهما مستشفى جامعة الزقازيق ومستشفى الأحرار العام، كما أنه مستشفى خيري وبالتالي يوفر خدمة مجانية.

 

ويحتوي المستشفى على 41 سريرا و29 حضّانة وغرفتين للعمليات وغرف للرعاية المركزة، فضلا عن الاستقبال والطوارئ وتشمل 21 عيادة خارجية، ويقول الجارحي “لن أقول للناس إن المستشفى ستعالج السرطان وهم غير قادرين أساسا على تحمّل تكاليف عمل أشعة او تحاليل، ولا يجدون حضّانة لمواليدهم، فالمستشفى في البداية سيركز فقط على الخدمة الأساسية”.


لقراءة المقال على موقع DW اضغط هنا